سيد قطب

702

في ظلال القرآن

المعركة مع الضعف البشري ومع رواسب الجاهلية ومع المعسكرات المعادية في وقت واحد . ونرى منهج القرآن في التربية - وهو يعمل في النفوس الحية في عالم الواقع - ونرى طرفا من الجهد الموصول الذي بذله هذا المنهج ، حتى انتهى بهذه المجموعة - المختلفة الدرجات ، المختلفة السمات ، الملتقطة ابتداء من سفح الجاهلية - إلى ذلك التناسق والتكامل والارتفاع ، الذي نشهده في أواخر أيام الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - بقدر ما تسمح به الفطرة البشرية كذلك ! وهذا يفيدنا . . يفيدنا كثيرا . . يفيدنا في إدراك طبيعة النفس البشرية ، وما تحمله من استعدادات الضعف واستعدادات القوة . متمثلة في خير الجماعات . . الجماعة التي رباها رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلّم - بالمنهج القرآني . . ويفيدنا في إدراك طبيعة المنهج القرآني في التربية ؛ وكيف كان يأخذ هذه النفوس ؛ وكيف كان يتلطف لها ؛ وكيف كان ينسق الصف ، الذي يحتوي على نماذج شتى من مستويات شتى . حيث نراه وهو يعمل في عالم الواقع . . على الطبيعة . . ! ويفيدنا في أن نقيس حالنا وحال المجموعات البشرية ؛ على واقع النفس البشرية ، ممثلة في تلك الجماعة المختارة . . كيلا نيأس من أنفسنا حين نطلع على مواضع الضعف ، فنترك العلاج والمحاولة ! وكيلا تبقى الجماعة الأولى - على كل فضلها - مجرد حلم طائر في خيالنا ، لا مطمع لنا في محاولة السير على خطاها . من السفح الهابط ، في المرتقى الصاعد ، إلى القمة السامقة ! وكل هذه ذخيرة ، حين نخرج بها - من الحياة في ظلال القرآن - نكون قد جنينا خيرا كثيرا إن شاء اللّه . . إن من خلال هذه المجموعة من آيات هذا الدرس يبدو لنا أنه كان في الصف المسلم يومذاك : « أ » من يبطئ نفسه عن الجهاد في سبيل اللّه ، ومن يبطئ غيره . ثم يحسبها غنيمة إذا لم يخرج فسلم ، على حين أصابت المسلمين مصيبة ! كما يعدها خسارة إذا لم يخرج فغنم المسلمون ، لأنه لم يكن له سهم في الغنيمة ! وبذلك يشتري الدنيا بالآخرة ! « ب » وكان فيه من المهاجرين أنفسهم - وممن كانت تأخذهم الحماسة للقتال ودفع العدوان وهم في مكة ، مكفوفون عن القتال - من يأخذهم الجزع حينما كتب عليهم القتال في المدينة ؛ ويتمنى لو أن اللّه أمهلهم إلى أجل ، ولم يكتب عليهم القتال الآن ! « ج » ومن كان يرجع الحسنة - حين تصيبه - إلى اللّه ؛ ويرجع السيئة - حين تصيبه - إلى النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - لا لشدة إيمانه باللّه طبعا ؛ ولكن لتجريح القيادة والتطير بها ! « د » ومن كان يقول : طاعة ، في حضرة الرسول - صلى اللّه عليه وسلّم - فإذا خرج بيت هو ومن لف لفه غير الذي يقول ! « ه » ومن كان يتناول الشائعات ، فيذيع بها في الصف ؛ محدثا بها ما يحدثه من البلبلة ، قبل أن يتثبت منها ، من القيادة التي يتبعها ! « و » ومن كان يشك في أن مصدر هذه الأوامر والتوجيهات كلها هو اللّه سبحانه . ويظن أن بعضها من عند النبي - صلى اللّه عليه وسلّم - لا مما أوحي له به ! « ز » ومن كان يدافع عن بعض المنافقين - كما سيأتي في مطلع الدرس التالي - حتى لتنقسم الجماعة المسلمة